ابن الأثير

35

أسد الغابة ( دار الفكر )

وأشاح : أي أعرض ، وترد بمعنى جد وانكمش . وقوله : فيرد ذلك على العامة بالخاصة : يعنى أن الخاصة تصل إليه فتستفيد منه ، ثم يردون ذلك إلى العامة ، ولهذا كان يقول : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى . يحذر الناس : أكثر الرواة على فتح الياء والذال والتخفيف ، يعنى يحترس منهم ، وإن روى بضم الياء وتشديد الذال وكسرها فله معنى ، أي : إنه يحذر بعض الناس من بعض . وقوله : لا يوطن الأماكن : يعنى لا يتخذ لنفسه مجلسا لا يجلس إلا فيه ، وقد فسره ما بعده . قاومه : أي قام معه . وقوله : لا تؤبن فيه الحرم ، أي : لا يذكرن بسوء ، وقوله : ولا تنثى فلتأته أي : لا تذكر ، والفلتات هو ما يبدر من الرجل ، والهاء عائدة إلى المجلس . وقوله لا يتفرقون إلا عن ذواق : الأصل فيه الطعام إلا أن المفسرين حملوه على العلم والخير لان الذوق قد يستعار . قال اللَّه تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ ( 1 ) ] أي لا يقومون من عنده إلا وقد استفادوا علما وخيرا . والممغط : الذاهب طولا ، يقال : تمغط في نشابته [ ( 2 ) ] : مدها مدا شديدا ، فعلى هذا هو فعّل ، وقيل : هو انفعل فأدغم ، يقال : مغطه فانمغط وامتغط أي امتد . والمطهم : البادن الكثير اللحم . والمكلثم المدور الوجه ، وقيل : المكلثم من الوجه القصير الحنك الداني الجبهة المستدير الوجه ، والجمع بين هذا وبين قوله : في وجهه تدوير وقوله سهل الخدين أنه لم يكن بالأسيل جدا ، ولا المدور مع إفراط التدوير ، بل كان بينهما ، وهو أحسن ما يكون . ذكر جمل من أخلاقه ومعجزاته صلى اللَّه عليه وسلم كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أعبد الناس ، قام في الصلاة حتى تفطرت قدماه [ ( 3 ) ] ، وكان أزهد الناس ؛ لا يجد في أكثر الأوقات ما يأكل ، وكان فراشه محشوا ليفا ، وربما كان كساء من شعر . وكان أحلم الناس يحب العفو والستر ويأمر بهما ، وكان أجود الناس ؛ قالت عائشة : « كان عند النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ستة دنانير فأخرج أربعة وبقي ديناران ، فامتنع منه النوم ، فسألته فأخبرها ، فقالت : إذا أصبحت فضعها في مواضعها ، فقال : ومن لي بالصبح » وما سئل شيئا قط فقال : لا . وكان أشجع الناس ؛ قال على : « كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فكان أقربنا إلى العدو » . وكان متواضعا في شرفه وعلو محله ؛ كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيده في حاجتها ، فلا يفارقها حتى تكون هي التي تنصرف ، وما دعاه أحد إلا قال : لبيك .

--> [ ( 1 ) ] النحل : 112 . [ ( 2 ) ] أي : النبل . [ ( 3 ) ] تشققت .